حجاج أدول يدخل العصر المملوكي

PDFطباعة

حجاج أدول كبير أدباء النوبة وزعمائها الناشطين‏,‏ دخل عالم الأدب في الأربعين من عمره‏,‏ سن النبوة‏,‏ بعد سبع سنوات من الحرب في الجيش وأخري من التأمل‏,‏ فأنتج سبع مسرحيات ومثلها من الروايات, وما يقاربها من المجموعات القصصية والكتب النضالية, لكنه أثار اشكاليات عدة في المحافل الدولية بطريقة مقاومته العنيدة لمظالم الدكتاتورية التي أرهقت جميع المصريين, وإن قد حافظ اجمالا علي وطنية خطابه وقوة حجته في الدفاع عن ثقافة قومه وحقهم المشروع في الحفاظ عليها. وها هو يدخل مغامرة القص المتلفع بالتاريخ, ليجسد من خلاله أشكال الظلم والقمع وأحلام العدل وانفجارات الثورة, في رواية جديدة بعنوان: ثلاث برتقالات مملوكية, منضما بذلك إلي كوكبة المبدعين الذين دخلوا العصر المملوكي من جورجي زيدان وسعيد العريان حتي جمال الغيطاني, لكنه يدخله بشروطه الخاصة, حيث لا يسجن خياله في أسر أحداث تاريخية محددة, ولا سلاطين معروفين, بل يبتكر من الشخوص والوقائع المحتملة ما هو أصدق دلالة من التاريخ, وأعمق تمثيلا جماليا للواقع من رواياته الحرفية, ملتزما بالشكل التقليدي للسرد علي لسان الراوي المحيط بكل شيء علما, وهو أشد مناسبة لمقاربة هذه العصور للتمكن من القبض علي نبضها, حيث يركز منظوره علي ما يمكن تسميته بالحالة المصرية التي تصدق في الماضي كما يمكن أن تصح في الحاضر, مع فوارق الأزمنة الضرورية دون اختلاف الطبائع المركوزة في الأعماق,
علامات الزمن والبشر:
يسبح الراوي برشاقة فوق تيار الزمن, دون أن يحبس خياله في أروقته, أو ينجرف في موجاته المعروفة, فهو يطلق علي السلطان المملوكي الذي يدير حوله الرواية اسم نببان ـ وهو اسم قرية صغيرة في محافظة أسوان ـ ليمتلك حريته الكاملة في هذه الأمثولة, لكنه يحاول موقعة أحداثها في فترة زمنية تعود إلي بداية القرن السادس عشر, أي بعد اكتشاف رأس رجاء الصالح عام1488 م فيقول في عبارات معماة بدأت آثار فتح جغرافي حدث منذ سنوات عديدة مرت, بدأت تبان(!) فأغلقت الكثير من البيان التي كانت مفتوحة, برتغالي لعين وجد طريقا بحريا يلتف حول آخر القارة, وعليه سارت وصارت سفن ومراكب الغرب.
في غني عن المرور في الاراضي المصرية ودفع المكوس الذهبية, ضاع من سلطان مصر تلال الذهب التي كانت تفرض علي تجارة العبور من أوروبا إلي الهند والسند. أدار الراوي قصته في مدارين: أحدهما في قصور المماليك والأمراء وما تعج به من دسائس ومائد وتحالفات تقوم نساء القصر بجمالهن ونفوذهن بالدور الأعظم فيها, بالعشق تارة والغيرة والتنافس علي السلطة تارة أخري, والمدار الثاني يضرب في أحشاء الريف المصري المطحون بالفقر, حيث يهرب الفلاحون من الضرائب ويهجرون أرضهم وزراعاتهم, فرارا من سياط الولاة وجبروتهم, وتظل بنية السلطة في كلا المدارين متواشجة, لكن الراوي يعمد أحيانا إلي جلاء بعض دقائق التركيب الطبقي عندما يصور شخصية البهاء اليوسفي وهو الامير الذي سيمثل نقطة الالتقاء العفوي بين الدائرتين, حيث تروعه في صباه فتنة فتاة قروية تتفجر بسحر الانوثة, فيطاردها حتي تقتنصها مثل الصيد في المدينة, ويتزوج بها سرا, وتصبح نجية التي كانت تلعب بعقول المشاهدين في السامر الشعبي هي حلقة الوصل بين العالميين المملوكي والشعبي, يقول الراوي عن هذا الأمير إن كان أبوه هو أمير الجيوش المصرية فهو طري سلس به عرجة خفيفة, بعيد تماما عن الفروسية والقتال, فأبناء المماليك ليسوا مماليك, تربيتهم لطافي خفافي, فليس لهم في حمل السلاح وسنوات التدريب القاسية في الطباقات العسكرية, أطلقوا عليهم لقب أولاد الناس وهو لقب فيه بعض من الالتباس, وكأن غيرهم من أبناء الوادي مش ناس ونلاحظ هنا أن أسلوب المؤلف قد تخلي عن الفخامة البليغة, واقترب من لغة الحكواتي الشعبي وتطعيماته العامية الطريفة, بقصد محاكاة مزاج المستويات المختلفة لشخوصه.
نماذج ومصائر:
ربما كانت النماذج النسائية في هذه الرواية أقوي ما نراه من تمثيلات عميقة لتجسدات الجمال وتوهجات الغرائز ومخاطر العشق في الأنثي التي جاءت من أقاصي الجبال الآسيوية وصحاريها الجليدية, وخاضت قبل أن تصل إلي مصر بحار العهر والفتنة حتي أصبحت السلطانة شمس التي تأمر وتنهي وتتآمر وتعشق, وتولي القائد ولاية العهد وتغدر به, لا تنافسها في سطوة الجمال وإثارة الدلال سوي الصبية الفلاحة نجية الفاتنة التي تترفع عن الخطيئة حتي يدين لها الأمير لكن بعض نماذج الرجال تستحق التنويه مثل الشيخ حرنكش مكنسة الذي طارد نجية, بعد أن انضم لاهثا لجماعة صحراوية الأصل متشددة أتتها أجولة من الدنانير فحشرت في دماغه الغليظة تفسيرات الغلو والحذلقة وشرعية النقل وتحقير العقل, فصار معها من أشد أعداء ميراث فقهاء الأودية المعتدلين.. أخذ يكيل السباب للنساء فهن سبب كل غواية ويجب عليهن أن يقرن في بيوتهن تحت أزواجهن ولا يفارقنهم إلا ذاهبات إلي القبر, لكن أكثر ما يستحق الانتباه في هذه الرواية المفعمة بالأحداث والسرود والأوصاف هو تصويرها لثورة القاهرة علي الغز المماليك, وعلي الرغم من أن الكاتب قد انتهي منها كما يسجل في سبتمبر2010 فإنه يصف مثلا هبوط المماليك من القلعة, ومن ثكنات الجيش, كبسوا علي القاهرة من كل جوانبها, نزلوا ضربا بالسيوف علي الناس في الأسواق دون رحمة لامرأة أو مريض, حطموا مظلات المحلات وألقوا بالبضائع أرضا وسلبوها نهبا وفي الليل مر المنادون يعلنون ألا ينزل إلي الشوارع والحواري أي إنس من رجل أو امرأة, وعندما شحت المؤن وانقطعت الأرزاق وكاد الناس يهلكون جوعا وعطشا تجمهروا متحدين كل الأوامر وتسللوا إلي شاطئ النيل, حيث الساقية الكبيرة التي ترفع المياه أعلي مجري سور العيون لتصل إلي القلعة التي يقيم فيها السلطانومماليكه فكسروا عمود ترسها فتوقفت عن رفع المياه وقالوا فليعطش السلطان الطرطور مثلنا وتنتهي الثورة بمقتل السلطان ونفي زوجته شمس وتحول مصائر المستبدين, ولا تنجو سوي نجية بنت الشعب, فتهرب إلي الصعيد في مركب نيلي, تمر علي فتيات مثلها يغنين علي الضفاف بمرح, فتستعيد تجنان ذكريات طفولتها, وتنسي لبرهه تاريخ المظالم علي أرض الكنانة

بقلم: د‏.‏ صلاح فضل
جريدة الأهرام
9 أبريل 2012

 

اضف تعليق